السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

138

مفاتيح الأصول

بإرادات ثلاث وجود اللفظ ودلالته والامتثال فالاعتراضات ما مرت هناك الثاني يلزم على تعريف الأمر بالقول كما لا يخفى في جملة من الكتب المتقدمة وصرح به في الذريعة والغنية أيضا أن لا يطلق لفظ النّهي حقيقة على طلب ترك الفعل والكف عنه بالإشارة وفيه نظر بل الظاهر الصدق حقيقة عرفا لعدم صحة السّلب كما لا يخفى ولأنه يلزم أن لا يتحقق نهي من الأخرس وهو باطل قطعا وكذلك لغة لأصالة عدم النقل نعم ليس النّهي حقيقة في مطلق الفعل والشأن والصّفة وإن قلنا بذلك في الأمر الثالث لا إشكال في اعتبار الاستعلاء في النّهي وإلَّا لكان السّؤال والالتماس نهيا حقيقة وهل يشترط مع ذلك العلو الحقيقي إمّا دنيا أو دينا فالحقير إذا قال للجليل لا تفعل استعلاء لا يكون نهيا أو لا بل يكفي مجرّد الاستعلاء يظهر من جملة من الكتب المتقدمة الثّاني وربّما يظهر من العدّة الأول وفي الذريعة والغنية الرتبة معتبرة حينئذ انتهى والقول الثاني أقوى لعدم صحّة السّلب وقبح قول الحقير للجليل لا تفعل استعلاء لا يمنع من اللَّغة كما لا يمنع منها قبح الكذب فتأمل مفتاح صرّح جماعة بأن النّهي وصيغة لا تفعل تستعمل في معان منها التحريم وقد صرّح بهذا في النهاية والمنية والإحكام وغيرها وذكر من أمثلته في الثاني قوله تعالى لا تقتلوا النّفس الَّتي حرم اللَّه إلَّا بالحق ومنها الكراهة وقد صرّح بهذا في الكتب المذكورة وذكر من أمثلته في الثاني لا تنس نصيبك من الدّنيا ومنها التحقير وقد صرّح به في النهاية والمنية والإحكام وذكر من أمثلته قوله تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا ومنها بيان العاقبة وقد صرّح به أيضا في الكتب الثلاثة وذكروا من أمثلته قوله تعالى ولا تحسبن اللَّه غافلا عمّا يعمل الظالمون ومنها الدّعاء وقد صرّح به أيضا في الكتب الثلاثة وذكر في المنية من أمثلته قوله تعالى لا تؤاخذنا إن نسينا إلى آخره ومنها الإرشاد وقد صرّح به أيضا في الكتب الثلاثة وقد ذكروا من أمثلته قوله تعالى لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ومنها اليأس وقد صرّح به أيضا في الكتب الثلاثة وذكروا من أمثلته قوله تعالى لا تعتذروا اليوم ومنها التوبيخ وقد صرّح به في الغنية والذريعة ومنها التحديد وقد صرّح به في الغنية ولا إشكال ولا في أنّ النّهي وصيغة لا تفعل ليس حقيقة في جميع المعاني المذكورة لا بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي وقد صرّح بدعوى الإجماع على ذلك في الغنية بعد الإشارة إلى كثير من المعاني المذكورة هي ليست حقيقة في الجميع إجماعا انتهى وقد اختلقوا فيما هو المعنى الحقيقي فيها على أقوال الأوّل أنّه حقيقة في التحريم وطلب التّرك على وجه اللزوم لا غير وهو للعدّة والمعارج والتهذيب والمبادي والمنية والزبدة والمعالم والمعراج والمحكي عن المنهاج وبالجملة عليه الأكثر كما صرّح به الفاضل الجواد الثاني أنّه مشترك لفظي بين التحريم وغيره وهو لظاهر الذريعة والغنية ويظهر من الأخير أنّه مشترك بين التحريم والتّهديد والتوبيخ الثالث أنّه حقيقة في القدر المشترك بين التحريم والكراهة في غير الشّرع وهو طلب الترك وهو للوافية وقال ولكن نواهي الشرع تحمل على التحريم وفي النهاية من جعل الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب جعل النّهي مشتركا بين التحريم والكراهة الرابع أنّه حقيقة في الكراهة فقط وهو للمحكي في شرح الزبدة للفاضل الجواد والمعراج عن بعض ومنها ما ذكر في جملة من الكتب ففي النهاية الكلام في أنها تقتضي التحريم أو الكراهة أو القدر المشترك أو التوقف كما تقدم في الأمر وفي الإحكام هي حقيقة في طلب التّرك ومجاز فيما عداه وأنها هل في التحريم والكراهة أو مشترك بينهما أو موقوفة على ما سبق بالأمر من المزيف والمختار وفي شرح المختصر للعضدي الخلاف في صيغته هي ظاهرة في الحظر دون الكراهة أو بالعكس أو المشترك أو موقوفة كما تقدم في صيغة الأمر انتهى وفي شرح المبادي المذاهب الَّتي ذكرناها في أن الأمر يقتضي الوجوب ثابتة في أن النّهي يقتضي التحريم وفي المعالم اختلف الناس في مدلول صيغته حقيقة على نحو اختلافهم في الأمر انتهى والمعتمد عندي هو القول الأول الذي عليه المعظم ولهم منها ما تمسّك به في المعالم والزبدة وشرحها للفاضل الجواد من أن المتبادر والمفروض في العرف العام مجرّدا عن القرينة هو التحريم وزاد في المعالم كما في الغنية فقالا والأصل عدم النقل ومنها ما تمسّك به في المعارج والمنية والزبدة وغيرها من أن العقلاء يستحسنون ذم من خالف مقتضى النّهي إذا صدر ممّن يجب إطاعته وصرّح بهذا في المعالم أيضا أن الأمر للوجوب فيلزم أن يكون النهي للتحريم لعدم القائل بالفصل ولعلَّه لذا قال في النهاية والتهذيب إن النّهي للتحريم لما قلناه في الأمر انتهى فتأمل ومنها ما تمسّك به في المنية من أن فاعل النّهي عاص يستحق العقاب على ما تقدم ففاعل النّهي مستحق للعقاب وفيه نظر ومنها ما تمسّك به في المنية أيضا من أنّه لما لم يكن فرق بين الأمر والنّهي إلا في متعلق الطلب وكان الأمر دالا على الطلب الجازم أعني المانع من مقتضى المطلوب كان النّهي كذلك وهو معنى اقتضاء النهي التحريم وفيه نظر ومنها ما تمسّك به في المعارج والمبادي والنهاية والتهذيب والزبدة والمعالم والمعراج من قوله تعالى وما نهيكم عنه فانتهوا والتقريب في الاستدلال ما ذكر في جملة من الكتب ففي المبادي وجوب الانتهاء يقتضي تحريم المنهي عنه وفي النهاية أو حب الانتهاء لما تقدم من أنّ الأمر للوجوب وهو المراد من قولنا النّهي للتحريم وفي المعالم أوجب سبحانه الانتهاء عما نهى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله لما ثبت من أن الأمر حقيقة في الوجوب وما وجب الانتهاء عنه فقد حرم فعله انتهى لا يقال غاية ما يستفاد من الآية الشريفة وجوب الانتهاء عن مناهي الرّسول وكون مناهيه للتحريم فلا يفيد تمام المدعى وهو كون مطلق النّهي ولو كان من اللَّه تعالى والأئمة عليهم